المجد لمن صرعتهم الأحلام

صغيرتي ،
لا أعرف من أنتِ ، كما لا أعرف من أكون و لكنني أرتأيت أن أكتب إليكي لعله و على غير العادة ، تصبح للكلمات وقع . يصادف أن يكون اليوم هو الذكرى السنوية لمذبحة محمد محمود ، و قبيلها بأيام داهمتني تلك النوبة الكئيبة التي زعزعت سلامي النفسي الهش و لكنني و كدأبي في تلك السنوات الفائتة ، استعيد ذلك السلام بتعلقي بستائر الله التي تظلل العباد أينما ابتعدوا. أطلق العنان لعيني كي تحيى حياة لم تكن و لخصري يرقص و لقدمي تسيران على غير هدي ، فأتعثر بالهُدى على غير موعد. و أشرع ضاحكة في إنتظار نوبتي القادمة. ما أسرع ما تطوى الأيام في هذه البلاد و ما أكثر المذابح و السنويات و الأربعينيات و الزهور المجففة من أجل حكم جرائد النخيل. هل أحدثك بالألغاز ؟ حسناَ فالواقع أحجية ، و الكلمات أياَ ما كان وضوحها معطوبة الأثر. ما كنت لأتمنى إلا أن يكون مولدك في بلادٍ بعيدة لا تُغتال فيها الأحلام برصاص مطاطي مصنوع بأيادٍ وطنية. و لكن أياَ كان منشأك ، فستحملين هذه الأرض في شفرة وجودك. البلاد التي شهدتنا ، و لسانها الذي ننطق به ، حتى الإنجليزية ننطقها بلحنٍ عربي ، لا مفر يا صغيرتي ، لا أملك الإعتذار عن جريرة الأجداد التي أتت بكِ و بي هنا. أتدرين ما هو الوطن ؟! ، حسناَ لن أُجيبك إلا بأنه ليس أياَ من تلك الشعارات الوطنية الكاذبة. فهذه ليست بأعظم بلاد الأرض ، أي بلد عظيمة هذه التي تتصادم فيها القطارات دورياَ ، و يقتل فيها شاب في الثامنة عشر برصاصة في القلب تشيعه إرادة قتل مع سبق الإصرار ، و يترك و يترك غيره على قارعة الطريق صرعى في الطريق إلى موائد التفاوض أو سجون دون محاكمة ، عن أي عظمة يتحدثون و نحن إذا ما عُريت فتاة شرعنا في إغتصابها جماعياَ؟! ، لو صدقنا كذب التلفاز بأن هذه أعظم البلاد لأنتهى بنا الأمر في مصحة نفسية دون أملِ في عناق الأصدقاء عند أبواب المطار. الوطن هو تلك الحوانيت الصغيرة التي يمتزج فيها القرآن بسلطنة الست بروائح التوابل النفاذة بنكات البائع بغبار الأيام. و لكن الحوانيت دائماً بالغة الضيق و البائع دائماً ما تحفر في وجهه أخاديد الإنتظار المطبق و نحن لا نريد سوى براح لا إنفلات فيه.
أتدرين ما هو الوطن ؟ الوطن هو طيف دافيء يداهمنا في بلاد الشمال، فنبتسم ابتسامة المنفي إختيارياَ و هو يدلف في طريق سعى له و لكنه و ياللحزن لم يكن بنفس الرونق الذي وصفه الدالفون قبلا.
هل يبدو كلامي كالحزورة ؟! ربما لو بذلت جهدا لأصبح أكثر وضوحا، و لكن إن فعلت ستكونين تلميذة يُملى عليها ما ترى. لم أحب الإملاء كثيرا في المدرسة و آمل ألا تحبيه أيضاً.  و آمل أن يعم السلام البلاد و تنبت فيها حياة كالحياة. و ما العمل حتى يحين الموعد ؟.
إن كنت هاهنا ، فلتمعني النظر دون الغرق في التفاصيل ، فأكثر المشاهد رعبا آمن إذا ما كنت في خضمها.  أصوات الثكلى هي الأكثر ربعا على الإطلاق.
و إن لم تكنِ فما يضرك و أنتِ في سرداب الغيب.
و ماذا أفعل أنا حتى يحن الموعد ؟! . سأقرأ كثيرا و أحسن من لغتي الفارسية و الفرنسية و أبحث عن عمل و قد أجد تذكرة بلا عودة قريبة. و أتحايل على أمي لتمرر لي وصفات الطعام التي مررتها لها أمها بدورها ، و إلى أن يحين الخروج سأتعلم الطبخ و الهندسة و التعامل مع بني البشر و سأزرع الياسمين على إفريزتي و سأضع أعواد القرفة في الحليب ،سأحضر بعض عروض السينما و سيهفهف قلبي في حفلات موسيقية ، ربما سأسير في تظاهرة ضد العسكر و سأحضر بعض جنازات الثكلى و سأصلي لله أن يهبنا برحمته طريقا ثالثاَ أقل وعورةَ. و لكن ليس ثمة مهدي منتظر لا في هذه الحياة و لا في حياة أخرى.
و في تلك الأثناء سيبحث جواز سفري عن تأشيرة للفرج ، أتدرين ما الفرق بين أيام محمد محمود الأولى و هذه الأيام؟!. الفارق أننا كنا صغارا نرضع الأمل و لدينا يقين بأن بأجسادنا الصغيرة سنحرر العالم و بأقدامنا المرتجفة سنغير القدر و بصدورنا الساعلة سنسطر تاريخا لم يكن.
لم يكن و لم نكون ، و ظلت تدشن المواقع بعدادات لأرقام الضحايا ، لم يكن أي منهم يستحق متيته ، فكل من استحق الموت متشبث بالحياة. لا تجعلي غضبك على الإخوة الأعداء نذير كاذب بأنهم يستحقون الصلب آلاف المرات.
أما العساكر فلا ثقة لي بهم ، أليست ستون عاما بكافية ؟! التاريخ يعيد نفسه و لكن البشر أغبياء يكررون خطاياهم و العسكر هم تلك الخطيئة التي زنيت بنا مرارا و تكرارا دون توبة نصوح منا و لا حتى توبة النوايا المرتجفة.
أما العمائم فلا ثقة بعمامة معلقة القلب بأسوار الإتحادية ، متشدقة بتسامح خلافة لم تكن و لن تكون.
أما محمد محمود ، فلا أريد أن أبتزل لكي تلك الذكرى و لكنه سيظل شارع مهيب بالأرواح الطاهرة التي كان مثواها الأخير فيه ، لعلي سأذهب قريبا و أقرأ الفاتحة لهم و لي.و سأقرأ سطور أمل دنقل و نبوئاته التي تصيب الحقيقة فليس كل الأولياء بعباد. أما النبوءة فهي أن تلك البنادق ستسدد لنا. صدق
أما الأمل ، فهو يبكي و يضحك ، يأتي و يذهب و يعبد طريقه بجثث صرعى في غياب أبدي سعيد و واقع مزري مرير تتخلله تلك الأشعة البراقة .
هل يستحق الأمل كل تلك القرابين؟!.
المجد للشهداء و لمن صرعته أحلامه العظام .
Advertisements

2 comments

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s