قنينة تغلي

أخبرتني صديقتي تلك بأن المشكل الرئيس أننا كائنات هرمونية . فالواحدة منا لا تستطيع التحكم بنوازعها بفعل الجسد . تغلبها الشجون دون وجود لما يثير الغبار القديم . و يتملكها الغضب فيما تزقزق العصافير على الإفريزة و تتفتح الزهور على الشرفة ! .
كانت هي في الثالثة و العشرين و حبلى في طفلتها الاولى ، و كنت أنا في السابعة عشر ، لا أفهم مما تقول شيئاً .
و كبرت بعض الشيء ، ليستمر عدم فهمي هذا ، حتى عدم فهمني أنا .
يقولون أن النساء كائنات يملكن لغز الحياة ، لهذا هن دوماً على درجة من الغموض ! . هل هو غموض أم جهل أم تجهيل ؟ .
لا أعرف ، لكن ما أعرفه هو الآتي :
أصبحت حالتي المزاجية أشبه بأفعوانة الملاهي ، تصعد إلى القمة فتزداد ضربات قلبي خفقاناً ، و تهوى إلى الحضيض لتزداد ضربات قلبي أيضاَ .
أنا الآن في حالة سلام  قصير مؤقت في قنينة تغلي من حولي ! .
لا أدري لما أصل إلى تلك الحالة ، فما الكل من حولي يضع يديه على رأسه مخافة مما هو قادم .
يُقال أن للإنسان عدة مراحل في الكرب : بداً من الإنكار ، مروراً بألم الفقد و إنتهاءاً بتقبل الامر الواقع .
في حالتي الامر لا يخضع إلى نمط بعينه ، قد أمر بالمراحل جميعها في يوم واحد ، و قد يأخذ الأمر أسابيع ، و في مرات قليلة أخذ سنوات !
لكن كما هو يحدث مؤخراً فقد أصبحت أمر بالمراحل كلها قبل أن يمر الآخرون بالمرحلة الأولى ، حتى إذا ما استئنفوا الأولى ، كنت أنا قد أنتهيت لتوي من الاخيرة ! .
أنا الآن في حالة سلام ، و الناس سيقتلتون على بعد ثلاثة شوارع من حيث أبيت ليلتي هذه. لا أعرف ما يمكنني فعله . أنا منحازة لأحد الطرفين و أفتخر بأنني كذلك ، و لكن لن تفرق الإنحيازات في جراح الروح.
بالكاد أعرفه و لكن كلما جاء في بالي أن يسقط قتلى من جماعته ، تأتيني صورته ليتملكني الغيظ . أيقتل مثله ليعيش بديع و الشاطر ومحمود عزت و مرسي ؟!. صديقي الآخر أخبرني معاتباً : لم تتألمين لمثله ؟ بالنسبة له الموت من أجل المرشد أو الشاطر عقيدة ؟ . لم تزدني كلماته تلك سوى ألم و غضب .
*&%
أتذهب تلك الوجوه التي أميزها و حتى التي لا أعرفها خلف حجب العالم الآخر كي يعيش حمدين و البرادعي و موسى و السيد البدوي و أبو إسماعيل ؟
هذا البلد أصيب بالجنون .يلقي بزهوره إلى موت محقق ، كي يزف عجزته إلى القصور و المنصات و المحافل الدولية
و لا ضير من رش الطريق بالزهور للجنائز ! و لا ضير في عدسات المصورين و أنوارها البراقة ، لتصور وجوه الامهات الثكلى .
فلكل دم ثمن ، هم وحدهم من سيقبضونه . و الأمر لا يضر فلن يقتل أبناء لهم .
%&*
أبتهل ألا يموت ، و ألا يموت آخرون ! نحن نقذف كدمى في حدقة مسرح تقوم كل الأطراف بإخراجه .
أصبح يعتريني الشك في كل ما لقنت طيلة حياتي . القوالب للجوامد و أنا لست بجماد يمكن إعادة تشكيله عبر أي قالب . أنا إنسان ، أن كل شيء متناقض . أحاول أن أسلك تلك الطرق الموازية المتعرجة ، ربما أصل إلى نفس النتيجة و ربما لا أصل أبداً . فقط يكفيني أنني حاولت و أن لازال لدي قلب ينبض و يقاوم الموت على تناقضاته .

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s