المهاجرة …دائماً

 تقهقه داليا و تسألني أن أفتح كفي … تعطني كيس من القطيفة الأحمرة و تقبل وجنتي قائلة : كل سنة و أنتي طيبة  … أفتح الكيس لأجد قرطين من الفضة على شكل عبارة ” مصرية و أفتخر “… تذيل داليا قهقهتها قائلة : قلت أجبهولك يمكن يبقى عندك شوية إنتماء !

داليا على حق … أنا لا منتمية بإمتياز ، أسير في هذه الحياة كصوفي هائم في مفازة ، يستظل بشجرة تقف وحيدة في القيظ . يستظل بها لبعض الوقت .تعجبه أوراقها الباصقة ، يودعها دون تلفت ،دون حنين …. ليكمل المسير.

أعتدت هذا منذ الصغر ، هذا اللاإنتماء و اللاإنبهار … على الرغم أنني ولدت بعينين مشدوهتين  ! أقلب في صور ” سبوعي ” لأشاهدني ” مفنجلة” العينين ! أشك أنها أنا ، أو أشك أنني كنت بنت أيام عشر لا غير ، أسأل أمي … تؤكد لي أنها أنا في اأقمطة السبوع …و أنني كنت أملك عينين جميلتين مأخذوتين بكل شيء ، شديدتا التحقيق ، كثيرتا التساؤل ! .

لكن لما أصبحت مهاجرة دوماً حتى حين أنزل عن هودجي و استقر ؟

 ربما لنشأتي في الخليج !! يتعلم المغترب هناك في الدرس الأول  ، أن بيته هذا ليس ببيته ، و أن مدرسته هذه مؤقتة ، و أنه أبوه قد يرحل لأتفه الأسباب و أنه سوف يمهل أيام ثلاث ، قد تطول إلى أسبوعيين ليحزم حياته و يرحل ! …لا أذكر عدد الزملاء  و الجيران الذين ولوا ظهورهم و رحلوا  ، أو الذين أرغموا على الرحيل !. لازال صوت أبي يرن في أذني و هو يحدثنا صغاراً عن صديقه الذي رحل في اليوم ذاته ، لإرتكابه خطأ فادح في العمل ! … رحل إلى المطار مكبل اليدين و أمهلت عائلته ثلاثة أيام للرحيل  إلى الجزائر في آتون الحرب الأهلية ….يا الله كيف تطوى حياة في ثلاثة أيام ! .

 أياً كانت الأسباب …. فالنتيجة معروفة سلفاً : أنا مهاجرة هناك … أنا مهاجرة هنا …. أنا ابنة هناك .. أنا ابنة هنا …. أنا مغتربة هناك … أنا مغتربة هنا

كان السفر على الدوام من أحلامي …ترحال دائم ينهيه ترحال آخر ….هذا أمر يسبق أي حدث خرائي و أي خرق سياسي  !

هذه أنا على الدوام

يسألني أصدقائي : ألن تشتاقي إلى مصر ؟ ألن تفتقدي القاهرة  ؟

نعم ساشتاق إلى القاهرة أيما اشتياق ….سأفتقد الجنون و الهاوية التي تدفعني إليهما دفعاً …سأفتقد الشوارع   التي قضيت فيها السنوات السبع الأخيرة من حياتي …سأفتقد الأزقة و الحافلات ..سأفتقد التظاهرات ….سأفتقد طعام ألتهمه في الشارع على عجل … حتى أنني سأفتقد وجوه الناس العابسة !

ثمة ما يدفعني دفعاً  أن أحزم حقيبتي ، على أمل أن أجد لي مقعد على طائرة تتنقل بي بين أرجاء المعمورة …لأكتب بخط دقيق في نواحٍ متباعدة

soso was here  كما أفعل على دفاتر صديقاتي !

نعم سأفتقد القاهرة

 و لكنني سأظل أردد لنفسي : أنا لست من هناك … أنا لست من هنا

——

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s