كوب لمعي -1

مضى ممسكاً بالكوب ، مهشماً إياه في سلة النفايات . لم تنهره أمها كما فعلت معها بالامس حين أسقطت سهواً المزهرية . مضى أبيها متمتماً بعض كلمات في غضب ، لم تلتقط منها سوى : “لمعي يريد التسبب في ترحيلنا جميعاً !!” . لمعي هو الضيف الذي لم يتبق من أثره سوى الكوب المهشم في السلة .

نعم لمعي يريد ترحيلنا من قطر ..  الترحيل من ذلك البلد البعيد القريب ، الذي تكفي فيه جلسة ملبدة بالغيوم مع مجاذيب السياسة  من بلدها ، لتُرَحَل عائلات إلى الوطن المجهول .

أخذ أبيها يسب و يلعن في لمعي و في مسيحية لمعي و في السماء التي تظلنا و تظل لمعي!! . لم تفهم ما هي مسيحيته و ما هي إسلاميتها ؟؟ . .. فيما الإختلاف ؟؟ .

يولد الاطفال بعينين مثاليتين  و خيال برعم يمثل الحياة قلعة رملية منيرة الأركان ، و  يصور الحياة لوحة زيتية بألوان زاهية … لكن تمضى الأيام لتعتم اللوحة الزيتية و تنهدم قلاع المثالية الرملية  .

لكنها تعرف أبيها .. تعرف طيبته … تعرف ورعه و تعففه عن الخطأ !! .. لكن لما هذه الكراهية إتجاه من جعله مختلفاً إزميل الإله ؟؟ .

هذا موشوم بالصليب يريد الاستقواء بالخارج .. و تلك ترتدي الشادور تشبهاً بالإيرانيات …و أولئك نفر من شيوخ السلطان يتلمسون كفراً بالدنيا و الآخرة !! .

نحن مكروهون منبوذون ..

هؤلاء مقيمون كرد يبغضوننا لأننا عرب .. و أولئك فرساً لم ينسوا أننا دحرناهم !! و الآخرون عرباً يحسدون مصريتنا !! .

تسكن الوحوش جنبات قلعتها الرملية .. أصبحت تخاف اللحى ، تهاب تشعثها ..

فالقس المتشح بالسواد لديه لحية .. و الشيخ الذي أرتعدت يوم سمعت موعظته مصادفة على التلفاز كانت لديه لحية .. و السيخي الذي لا تعرف الموسي طريقها إلى شعره المشعث من خلف عمامته ، كمداً من وجود المسلمين على ظهر البسيطة ، لديه لحية !! … و المجاهد الآتي من أفغانستان مهدداً الجميع بالويل و الثبور و عظائم الأمور لديه لحية … و ببساطة منطق الأطفال أصبحت اللحية هي المشكلة !! .

أوصدت شباك قلبها قدام أصحاب اللحى .. ووضعت على أفريزته كل العوائق كي لا ينفذ إليها الآخرون .. فالآخرون هم الجحيم .

نحن لا نأكل من طعام الآخرين ؟؟ ثمة أحكام للنظافة لا يطبقوها بحكم إختلاف العقيدة ؟؟  ..ألا تشمي رائحتهم النتنة .. ألا تري طعامهم الباهت مذاقه ؟؟ .

لكن هل نحن متدينون ؟؟ لم يدع أياً منهم أننا كذلك ..

ثمة عداء ..

ثمة كراهية ..

ثمة كلام مرسل أنهم يبغضونا .. أن يتآمرون .. في المدرسة ، في الشارع ، في الكتيبات الموزعة بين العوالم المتعددة في بلد المغتربين .

ثمة هوان متلفز و دم مراق عبر الأثير

لقبطي يبكي عقب أعتداء على كنيسته ، و مذبحة في مصر ، و والدة إسلامي غيب في جياهيب السجون دونما محكامة و شاب ألباني مسلم مخضب بدماءه قبل أن يطلق عليه الصرب الرصاصة الأخيرة .. و صبية فلسطينيون يختبئون في الأزقة من دبابة إسرائيلية .. و رضيعة يحتضنها أبوها في حنوٍ بالغ بعدما قبلها الموت قبلة الوداع في حلبجة .

تتزاحم الصور الكريهة في الرأس ، تمر مسرعة كصور جهاز العرض الضوئي … تعبق الأنف بخلوف نتنها الآخرون هم الجحيم !!

لكن ياله من جحيم مستعر ، فالكل آخرون !! فالكل جحيم إذاً .

تعطيها كريستين مصاصة عصيرها ، لترتشف بضع رشفات ، بعدما فقدت توازنها على الدرج .. تصمت ، تمد يديها ، ترتشف متسائلة هل للعابهم طعمٌ مختلف ؟؟ … تشعر بشيء غريب في حلقومها .. تشعر بالخزي .. تصمت .

تمر من أمام الجامع ، تستمع إلى صوت المؤذن الصداح ، ترتجف مراهقةً لديها لائحة تطول من الأسئلة .. و القليل القليل من الإجابات ، التي تهدىء من روع السائل الحائر .

تتلمس مشكاة في بيداء مشارف الشباب ، لم الكره ، لما الخندقة ؟ لما ندشن محكمة تفتيش ؟ .

تنتهز إجازتها السنوية ، لترتمي في أحضان جدتها الوطن .. تكاشفها بوعورة الولوج إلى فردوس الشباب الموعود !! .. تبتسم في طمأنينة و تأخذ بيديها كطفلة ، و تبتاع لها غزل البنات الذي تحب منذ صغرها الحمرة السكرية التي يتركها على شفاها … تدلج بها إلى حارة الصاغة في حيهما العتيق ..و تشير إلى محل صاغة موصد الأبواب .. من هنا أبتعت أنا و جدك خاتم خطبتنا من سيسيل الصائغة اليهودية .. و أنظري إلى المبنى البعيد المدقوق صليب أعلاه .. هذه مدرستي .. و تلمسي بأصابعك الوشاح الحريري على رأسي و الماشاء الله المتدلية من رقبتي ..كنت أتمنى لو أخذتك إلى بلدة أبوي في المنصورة .. لتسيري بين الحقول و تتأملي .. البذور تزهر ثماراً مختلفة ، دون أن تتعارك ، دون أن  تزاحم بعضها البعض … الكون يزهر إختلافاً في تناغم .. هكذا يجب أن يكون البشر … نحترمهم لأن دينهم في أسبق هذه البلاد  ..و يحترمونا لأننا الأكثر عدداً اليوم ..نرأف بهم و يرأفوا بنا لأن أياً منا لم يختر هذه الأرض لتظله سماؤها .

مضت جدتي و أبتلعتها فوهة الرحيل … غاب  الجسد و بقيت الروح..

و  للكلام بقية

————————————————————————————-

ملحوظة : أي تشابه بين القصة و أحداث حقيقية

 

مصلحة

Advertisements

One comment

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s