في الوطن بعد طول غياب

الكل يترصدني ، ويحملق في ملامح وجهيي و يبادرني بالقول “باين عليكي فعلن”..أشعر كأنني كائن فضائي أقتحم عليهم خلوتهم المقدسة …يحاول الجميع تلمسي ليتعرفوا على هذا الوجه المتخفي خلف إبتسامتي الخجولة ربما أكون عميلة ..ترمقني إحداهن بنظرة تهكمية بدى منها التوجس و تبادر بالقول :”عندنا إيه و هناك إيه ..ما لو كده ما تتنازلي عن جنسيتك المصرية و تخدي الجنسية القطرية أحسن”. و تصب علي ألسنة مياهها الحارة في صقيع يناير(كانون الثاني) لأتمسمر في مكاني …قبل أن تفنح نيران مدفعيتها علي مزكرة إياي بالوطنية و المصرية و أحمد فريد و كامل مصطفى ..و سعد باشا دون أن تدري أنها لا تعرف أسماء من أفحمتني بهم لتذكرني بمصريتي ..و تستردف قائلة :”باين عليهم صبغوكي بلونهم”. ..أصعد الدرج لأصل إلى شقتنا ..تلك التي كانت أمي تكنز لها الجديد و الجميل و الفريد ..لأنه منزلنا في الوطن و مكاننا و مطرحنا…على حين كان منزلنا هنالك أكثر بساطة و أقل تجهيزاً ..هو المهجر الإضطراري وراء لقمة العيش التي حرمنا منها في الوطن و لهثنا ورائها في أرض الله الواسعة ..أدرت النور لأرى أمامي منزلنا المنمق ..كل ركن و كل زهرية و إطار صور ..أشتراه والدي بعرقه و دفع فيها ثمنا ملؤه أعصاب و دم !!.كيبف يتهمني البعض بعدم الوطنية ..وقد لفظنا وطننا خارجاً !! كيف يتهمونني في وطنيتي ..و مصريتي بادية أكثر منهم …نعم تطبعت لكنني لم أنسلخ من جلدي ..أنظر إلى أركان المنزل …ترى لو أستمر أبي في العيش في وطن الأجداد..هل سيجد الأبناء قوتاً بكرامة؟!! أم سيئنون مثلما يأن غيرهم في صمت بجانب الحائط…أبي الذي قضى ما يزيد عن نصف عمره بالخارج..كي أعود أنا و أخوتي إلى وطن الأجداد لنجد منزل جميل مزين يفتح لنا جوانيه ليقينا برد الشتاء و حر الصيف و ضوضاء مصر و أهلها!!…أتأمل جوانب منزلنا …أو بالأحرى منزلنا في الوطن…ليس لدي العديد من الذكريات فيه ..لكن لأمي و أبي العديد منها ..فقد رأياه يرتفع حجراً تلو حجر ، وكرسي تلو آخر و صورة نعلقها على حائط ذكرياتنا…لكنني على الرغم من ذلك كله أحن إلى هذا المنزل الكائن في جنوبي قطر ..أتذكر الجيران بسخطهم و ألعابنا الصبيانية و قفشاتنا الطفولية..كنا المصريين في العمارة “عاملين رباطية” ..نذهب إلى المدرسة سوياً و نلعب سوياً ..محمود الذي كان يسكن قبالتنا و الذي لم أكن في طفولتي أحب أخته الكبرى ..لأنها كانت شرطي علينا يراقب تصرفاتنا لينتقدها ..و أمنية تلك الفتاة الرقيقة الخجول و أخاها التؤام الذي كان يطلعنا على أحدث الألعاب و ميرال و نرمين اللاتي كنا يسكن في قسم الهنود كما نسميه حينها ..و لؤي و قصي صديقانا الفلسطينيان اللذان رحلا عنا و بكيتهما لأنني يومها تذكرت أن هذا ليس بمنزلنا و هذه ليست ببلادي …أقف الآن في شقتنا في الوطن لأتأمل لافتات المحال و الحوانيت التي أكتست بحروفٍ غربية و لم يكسرها من أفحموني بدعوى الوطنية و المصرية ..نعم أريد أن أكتشف هذا العالم الهلامي الذي حدثوني عنه ..و الذي رأيته على شاشات التلفزة دون أن أتلمسه !! و دون أتأمل ملامحه ….و يا ليتني ما تأملتها أو وطأتها قدمي ..لأنني حين فعلت أصبحت أصرخ منادية: يا لهوي يا سرية ..العسكر طلعوا حرامية

Advertisements

3 comments

  1. هههههه .. حمد الله على سلامتك

    وبما ان سيادتك جديده .. فاعتبريها نصيحه .. آخر حاجه خالص تفكري فيها هو انك تتبادلي الكلام مع شخص ما أقحم نفسه في شؤونك الخاصة بدون استئذان .. تشحني طاقة احتقار محترمه وتبصي بطاقة الإحتقار كلها من فوق وتحت وتمشي في طريقك بدون ما تقولي ولا كلمة (صعب أوي ان حد معاشش في مصر يعمل اللي المفروض يتعمل في الجالات دي وهي باللي في رجلك) .. في مصر لازم تعيش أسداً وإلا تبقى أرنب ويعملوا على شوربتك ملوخية .. والستات (احم الناس) في مصر بتخاف وتهاب جداً اللي ميعبرهمش

    إقامة سعيدة في وطنك يا فندم

    1. ههه حلوة حكاية لو مكنتش أسدا حيعملوا عليك شربة بالمولوخية دي 🙂 نظرية تستحق التأمل 🙂 كل سنة و أنت طيب

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s