خلف الجريدة

بريشة : إسراء السقا

بريشة : إسراء السقا

بأطراف أناملي التي كستها برودة الصباح الباكر ، أمسكت بكوب قهوتي ..و نظرت حولي ، لأجده أمامي ..رجل خلف جريدة ، لم أتعرف على شكله ، فقد حجبته الجريدة كليةً. أخذت أرتشف قهوتي ، أنتعشت ذاكرتي ..فرأيت المشهد عينه الماثل أمامي …. خلف الجريدة ، التي كثيرا ما أختفى ورائها مستغرقاً….يا الله كم شعرت بالغيرة القاتلة من هذه الجريدة التي أستحوزت عليه و التي كان يقضي بين صفحاتها أكثر مما يقضي معي …كم كنت أتمنى أن أقطعها…أحرقها كي يحملق في أنا وحدي …حتى ينصب تفكير أبي علي بدلاً من هذه الضيفة الغريبة؟!! أبتسمت و أنا أنظر إلى فنجاني … كم هي دهاليز العقل البشري .. رفعت بصري فإذا صاحبي قد طوى جريدته ، و تعجبت لأنه شاب لا يتعدى ال25 من العمر !!! كنت قد فقدت كل أملٍ أن أرى شاب يقرأ جريدة!! و الأدهى أنه وسيم و قد بدى من مدمني القهوة مثلي، فقد كان أمامه فنجان قهوة فارغ فيما هو يرتشف الآخر… بدى من المضيفين أنهم يعرفون صاحبي الغامض … فهو من رواد المقاهي إذن!!..لم أحب أن أطيل النظر أو حتى أن أنظر ناحيته …و أكملت إرتشاف قهوتي و أبتسمت و أنا أتخيل كيف سيكون هكذا شاب مع زوجته ؟!! ترى هل هو مثقف …هل سيحترم زوجته ..؟ من تلك التي سيجلس معها يقرأ الجريدة؟!! هل تكون أنا مثلاً؟!! لا أدري لما عصف بي خيالي …و صال خيالي و جال حول صاحبي الجالس أمامي …أنتبهت إلى أنني قد أطلت الإبتسام في كوبي ، فرفعنه إلى شفتي كي أرتشفه و هو ساخن …فوقع بصري على فتاة صغيرة ، قد جلست على حجره و أخذت تقبله و هو يقرأ صحيفته و أخذ هو يداعب خصلات شعرها السود….تأملت وجهها الطفولي ، بعينيها الخضراوتين و شعرها الأسود الفاحم فيما تناقض شحوب وجهها الباسم مع خضرة عينيها الملتهبة نشاطاً..أخذت تسأله من هذا و من ذاك …. و قد أخذت تشير إلى الصور ضاحكةً..و أخذ هو يجيب و على شفتيه شبح إبتسامة من فضول صغيرته ..أخذت أراقبهما ..فيما أخفى أهدابي تطفلي!! …مداعبتهما و ضحكاتهما…شتان بينه و بين آخرين. يفرضون خلوةً مقدسة..و فجأة نزلت الفتاة عن حجر أبيها ، مسرعة ، مبتسمة، فاتحة زراعيها للدنيا …تسرع الخطى تلو الخطى…حتى أرتمت في أحضان إمرأة ،التي قبلتها و ربتت على شعرها بحنانً بالغ …و قفت المرأة تحتضن الصغيرة و هي ترنو إلى صاحبي ، الذي نظر إليها بدوره و قد تهللت أساريره لمجيئها ..تقدم ناحيتها ممسكاً يديها و محتضناً الطفلة ..و مشى ثلاثتهم …أخذت أراقبهم حتى أختفوا…أكملت إرتشاف قهوتي و أنا أفكر في تلك الأسرة الصغيرة الشابة …نفضت عني أفكاري …فالبيوت أسرار.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s