لحظة تخفت فيها كل الأصوات

في لحظة ما، يتوقف رنين الطناجر في رأسي، تخفت أصوات الكلاب النابحة المحذرة من كل شرور العالم من حولي، يتوقف عقلي الرياضي عن العمليات الحسابية المعقدة التي تريد أن تحسب وجهتي بشكلك دقيق، ويتوقف القلق بداخلي على قراءة كتاب الآلام والاخفاقات. يصبح العطر عطراً، لا دعوة لتذكر يوم مزعج. لا لحظة مؤلمة من قبل، ولا نذير بالألم من بعد. في لحظة ما، تخفت كل الأصوات من الماضي والمستقبل، يرتفع صوت العالم من حولي كأنه معزوفة، وتصبح الألوان أزهى وتغدو التفاصيل أوضح.

لأجل هذه اللحظات، التي أخشع فيها، وأرى فيها اللحظة تحت المجهر، أعيش.

غمامة تحميني على الدوام

وضعت الطبية المخدر في الكانولا، وأخبرتني أنني سأشعر بالخدر. هذه ليست المرة الأولى التي آخذ فيها تخدير كامل عبر الوريد. لسبب مجهول، هذه المرة شعرت بطعم مر في حلقي، وسألت نفسي لو كان التخدير -كالطعام- لكل نوع خواص ومذاق.، ويبدو أن البنج الذي أخذته شديد المرارة، ويدفع عواطفي خارج الجراب الذي أحكمت إغلاقه على قلقي مما يمكن أن يترتب على المنظار. انسلت الدموع من عيني فما أغفو رغمًا عني، ووجدت نفسي أسأل الله: يارب أرجوك فرَّح قلبي. استيقظت في غرفة الإفاقة محاطة بأمي وآية وشوشا وإتصالات أبي وإخوتي وداليا. قد تكون حياتي صعبة في كثير من الأحيان. أرغب كثيراً في تحطيم رأسي بمطرقة من التفكير في الاحتمالات الكثيرة، بداخلي حيرة، ويأخذني عقلي في رحلة عبر الأزقة من مقعدي، أشعر كثيرًا بالقلق مما يمكن أن يكون وبداخلي ضجيج يعلو ويخفت. لكن على الرغم من كل الحيرة والضجيج والخوف، أشعر على الدوام أنني محمية بغمامة، تظلّني في أيام الحر التي أظن أنني سيغشى علي فيها، وتحميني في الأيام الممطرة التي أظن أنني سأغرق فيها. تلازمني الغمامة في كل مكان، في نومي، حتى حين أذهب إلى مكان أظن أن لا أمل ولا رجاء لي فيه، ولا رجوع منه.

عشر مباهج في الحياة (٤)

١- أشعة الشمس اللاذعة التي توقظني من الكآبة والنوم على حدٍ سواء.

٢- الحياة في مدينة جبلية نائية وبعيدة.

٣- الأمل الطفولي الغير مبرر بأن رصيدي من الأيام السعيدة لم ينفذ.

٤- التدثر تحت الأغطية والراحة في غرفتي الصغيرة بعد يوم شاق ومتعب.

٥- وصفة البيض بالتمر التي اكتشفتها مؤخراً والتي تجمع بين الحادق والحلو.

٦- موسم الدولفين في البحر الأحمر ووجه الدولفين البشوش في نظري وتناغهم في جماعات في الصيف.

٧- الراحة التي أشعر بها بعد ممارسة تمارين ال havening techniques التي أكتشفتها مصادفة على تيكتوك منذ شهرين والتي تناسبني أكثر من التأمل الطويل المتصل.

٨- لهفة الأطفال علي وتقديرهم لحبي للخروج والمرح والتسكع والهوايات التافهة.

٩- دفعة الادرينالين التي تجتاحني حين أتمكن من أداء حركة رياضية لم أكن استطع القيام بها. لازلت في داخلي فتاة دحيحة تهوى التنافس والمكسب.

١٠- كل الأماكن التي لم أزرها؛ إيطاليا، اليابان، تونس، المغرب، سوريا، إيران، أيسلندا، على طول القائمة وغرابتها.

بِلية في حلقي

في الجامعة أسرت لي صديقة بأن إحداهن تأخذ المهدئات بشكل منتظم. حكت الأمر همساً كنميمة، كأمر فضائحي. بدى لي الأمر مستغرباً حينها، لأنها بعيني شخص مثلي بحياة شديد الفوضوية ومليئة بالشوك، بدت كشخص شديد الهدوء وحياتها مرتبة إلى حد الملل. قيل حينها أنها كانت تشعر على الدوام بكرة أو بلية في حلقها، ولأن الأمر ليس جسدياً، صُرفت لها المهدئات لعلاج العرض الجسدي العجائبي. لم يكن عندي حينها معرفة بعلم النفس، وكنت أسير في ساقية لا تتوقف دون تفكير أو نظر. في السنتين الماضيتين اضطررت أن أغوص في نفسي في محاولة للفهم. دُفعت لهذا الطريق الوعر، بحكم الضغوطات ونوبات القلق والظروف الخارجة عن السيطرة، ولم أقع في غرام ما رأيت بعدما غضضت نظري عنه طويلاً. كان عندي فرضية أنني لست عاطفية بالضرورة وأن للناس سعات مختلفة للمشاعر الحنونة وربما كوبي كان صغيراً وقطره ضيقاً فيصعب الشرب منه. المرعب أنني بعد كثير من المحاولات، شعرت أنني غريبة عني. المشكلة لم تكن أنني ليس لدي سعة للشعور، المشكلة أنني لا أعرف ما أشعر به غالبية الوقت، أعلق كأنني تمثال جليدي، وأميل لدفس مشاعري في حذائي والسير بها، بدلاً من محاولة الاستماع والتعلم. في محاولة لفهم ما أشعر به، كان علي أن أنظر في رسم بياني يوضح أسامي المشاعر ويصنفهم لأجد مسمى لما أشعر به، كان علي تدوينها بالساعة والحدث والمحفز والمرعب أكثر كان أن أسمح لنفسي بوصف الشعور في جسدي. أكتشفت أنني أختبر المشاعر بشكل جسدي وبآلام مبرحة أحياناً. مثلاً حين أتذكر شخصاً بعينه، أشعر برغبة في التقيؤ. حين أشعر بخوف مما تخفيه الأقدار، يضيق حلقي إلى الحد الذي أظن فيه أن أحدهم أمسك برقبتي يخنقني. الغضب -الشعور الأكثر إيلامًا- يعبرعن نفسه بأوجاع جسدية مبرحة، عظمي كله يوجعني حتى أصابع قدمي و أنفي يؤلموني. الغيرة تأتي سريعة، قلبي يغوص في قدمي ويطفو سريعًا. حين أشعر بالخذلان، أشعر ببلية في حلقي وأبدأ في السعال. الغريب أن الشعور على حدته لا يطول، بضع دقائق ويختفي تماماً. أعرف الشعور وأسميه، أصفه وأحدد موقعه في جسدي وأسأله ما الذي يحتاجه في هذه اللحظة وأسأل نفسي عما أحتاجه، وأشاهده يمضي ومن ثم أهنىء برغد العيش إلى حين. في درس السباحة نصحتني المدربة بألا أخاف من الماء، أن أصاحبه وألا أقاومه. وأن أترك خوفي من الغرق مع المنشفة خارج حمام السباحة الذي يشبه حوض الاستحمام، لكنه أكبر قليلاً. نصحتني بأن أثق في جسدي وفي الماء، لأنهما ليسا عدواي و سيرفعانني للأعلى. أقنعت نفسي أن المشاعر كالسباحة والماء، لا تعاديني ولا تنوي قتلي. أشعر بالشفقة على أوقات فاتت حاولت فيها الهروب مما أشعر مخافة أن أقتل. الاستسلام أحيانًا فضيلة، العمر قد يضيع في مقاومة محتوم لا طائل من محاربته. في حوض السباحة شعرت بضيق في صدري خوفاً من المستقبل، أخبرني القلق أنه موجود ليحميني من السيناريوهات السوداوية التي اختبرت بعض قتامتها ومرارتها في السابق. شكرت الخوف على حنوه وإهتمامه، ومضيت أسأل نفسي عما تحتاجه ، فأخبرتني أن أطمئنها، فذكرت نفسي وإياها بأننا لسنا أسرى لظلال الماضي، وأن ما يوجد خلف الباب الموصد قد يكون جميلاً وساحرًا على نحو غير متوقع، وقد يكون متوقعًا وخاضعًا للخوارزميات التي أهوى دراستها، وقد يكون قاتماً كأفلام الرعب، وعلى كثرة الاحتمالات وتباينها سنعبر ونتلمس الطريق ونجد ما يسرنا على الرغم من كل المذاقات المرة. كل ما نملكه هي هذه اللحظة، وفي هذه اللحظة يطفو جسدي على سطح الماء في انتظار بدء تمريني. في هذه اللحظة ثمة سكون مريح. فسكن قلبي وأتفرج حلقي وانشرح قلبي.

أنا والكفين الصغيرين

أمسك بالكفين الصغيرين المرتعدين. أحدهما بقامة أطول ونظارة طبية وشعر قصير ووجه نبتت فيه الحبوب، والأخرى أصغر بوجه أسمر وشعر أسود طويل. أطمئنهما بأن ليس ثمة ما يدعو للقلق. لا شيء مخيف خلف هذا الباب الموصد بأحكام. لا أنهار من اللهب ولا ثعابين طائرة. تنظران إلي في تساؤل، حيث يبدو أنني منهكة، أطمئنهما بأنني سأحميهما. المشكلة أنني خائفة مما خلف الباب، ياليتهم يهمسون لي بالإجابة الصحيحة. أحاول أن أكون صادقة مع الصغيرتين، وبصوت مرتعد أخبرهما: أنا معكما حتى ينفتح الباب عما وراءه، أنا معكما حتى نهاية الطريق.

العزلة عدوي

لا طاقة لي بالعزلة. قد أتحمل الخذلان والصعاب وكسر الخاطر والأحلام المعطوبة والضغط المستمر. قد أتعايش مع حياتي حين تشبه طنجرة الضغط، لكن العزلة كفيلة بتهشيمي إلى قطع من الزجاج يستحيل جمعها.

في العزلة، ينمو من رأسي جدار، تطول جوانبه وتنثني لتصبح صندوقًا من حجر يحبسني في دوامات من السيناريوهات الأسوأ، وكزومبي أعتاش على الهلع. الوحدة في أيام الفرح، قد تغذي أوردتي، لكن حين توصد الأبواب، تنتهي العزلة لتكون أحد أدوات التعذيب الأشد فتكًا.

العزلة عدوي اللدود

أقصوصات ( أبريل 2021- فبراير 2022)

أبريل 2021 \ رمضان 2021

نفس الابتسامة السمجة والتدقيق في طبق الأكل أمامي وشكلي وتفحص هيئتي، والكلمة التي أكرهها كثيراً: “ربنا يطمنا عليكي”. لا أشعر بالارتياح، لكنني ابتسمت كعادتي حين لا أريد أن يعرف من يقف أمامي أن كلماته كالسهام تخترقني. مشيت محيية الجميع ومضيت. في السيارة شعرت بنبضات قلبي ترتفع، أنفاسي تلهث كأنني أجري في مارثون من كلاب نابحة وحلقي جاف كأرضٍ بور.

يونيو 2021

على كثرة الأحداث الأليمة في الفترة الفائتة، وقفت في عرس صديقتي في الإسكندرية على الشاطيء وشعرت أن الحياة أعطتني أكثر مما توقعت. لم أتوقع لي كل النعم التي تحيط بي، وأولها أنني لدي من أثق فيهم، ولم أعد تمثالاً صغيراً شري من مدينة بعيدة ووضع على الرف دون حراك.

يوليو 2021

أهلع حين أسمع عن مرض أو موت أحدهم. ينخلع قلبي واسأل الله أن يختف المرض وأن ينعم على الجميع بالصحة والعافية. هذا فوق محدوديتي كإنسانة. أزرف الدموع، ولكن يجب أن أدفن هذه المشاعر. أذهب إلى حفل مع أصدقائي كأن شيئاً لم يكن.

أغسطس 2021

أكره أغسطس، لأنني ولدت في أغسطس. أجلد نفسي على كل الفرص الضائعة، كان يجب أن أصعد إلى الفضاء وأغوص في البحار وأتسلق الأشجار، لكنني فشلت في صنع معجرتي وياللأسف. لحسن الحظ لم يتوقف قلبي عن النبض ولازال لدي أربعة أطراف.

يناير 2022

أتمنى أن يوصلني سعيي إلى محل أوفر وأرحب وأجمل. أتمنى أن تقودني الأقدار إلى سعادة وسلام أعلم أنني استحقهما. لم أتوقف عن المحاولة حد تكسر قدمي وانقطاع نفسي. يبدو أن إطلاق سراح الأشياء والأشخاص والكف عن محاولة السيطرة وتقبل الأمور كما هي على قبحها والوثوق في مآلات الأمور هو الملاذ. أردد لنفسي: Just let it be!

يناير 2022

في النادي الرياضي، أرى كل الأشكال والألوان. النحيفات والسمينات ومعتدلات القوام. البيضاوات والسمراوات والسوداوات، المصريات والعربيات والآسيويات والأوروبيات، وكل الصنوف التي قد تقطن هذا البلد. الكل جميلات على نحوٍ ما. طيلة الشهر الماضي، ثمة سيدة أجدها قبل أن ابدأ، تتكيء وتتألم، لكنها تواظب على التدريب مع المدربة الخاصة. تتدرب لساعتين متصلتين. السيدة بدينة ويبدو أن لديها عارض صحي يتطلب فقدان الوزن. دعوت الله في سري أن يمن عليها بالصحة ويرزقها ما تشتاقه. كيف يمكن لغلاظ القلب أن يتهموا مثل هذه السيدة بالكسل والاتكال. من تعانين من السمنة هن أكثر الفئات المضطهدة والصامتة، الغالبية سمينات بحكم الجينات والبيولوجيا والحالات النفسية الصعبة والتنمر. كيف يمكن أن يكيل العالم الاتهامات على هذا النحو القاسي؟

فبراير 2022

لم تمر ليلة في السنوات العشر الأخيرة إلا وتذكرتك يا **** وتمنيت لكي السلامة حيثما كنتي وأينما أخترتِ العزلة عن حماقتنا. أتمنى أن تكوني حية وسعيدة متنكرة ومتندرة على الجميع. أتمنى أن يُخلف الله الظنون.

عشر مباهج في الحياة (٣)

لقراءة الجزئين الأول والثاني:

١ملمس العشب على قدمي العاريتين.

٢ذكرى جدتي وهي تهرول على السلم خوفًا من زلزال مفاجىء ضرب القاهرة في إحدى إجازات الصيف.

٣الرمال الدقيقة المنسابة على الشاطئ كالذهب المستخرج توًا من المنجم.

٤قيادة السيارة لأطول فترة ممكنة على صوت الراديو.

٥الملابس الملونة والمزركشة وصرعات الأزياء التي قد لا أتبعها.

٦الفلافل المصرية المقلية المقرمشة. حرمت منها في طفولتي لأن صديق طفولتي الأقربمحمودكان لديه حساسية من البقوليات.

٧حكمة الرومي وابن عربي.

٨ظهور الشمس المستحي في الأيام الغائمة.

٩فرحتي وحماسي لمشاهدة بطريق رؤي العين للمرة الأولى في حياتي.

١٠الكنافة النابلسية بلونها البرتقالي الفاقع وتمايل الجبن السائح في دلال.

عشر مباهج في الحياة (٢)

الجزء الأول – عشر مباهج في الحياة (١)

١- لف ورق العنب ووضعه مبعثرًا ومختلف الأشكال والأحجام في قدر الطهي.

٢- ملمس المرطب على كفي في المساء قبل النوم.

٣- الشموع والبخور، وكل ما يعبق المكان ويملأ الفراغ شعاعًا حانياً.

٤- الشهيق حتى تمتلىء رئتي.

٥- الجناح المرسوم بالكحل الأسود على عيني.

٦- المياه الساخنة من الصنبور في الشتاء.

٧- ساعات اليد المهداة.

٨- الأحضان والحنو.

٩- لهفة الاطفال علي بعد طول غياب.

١٠- النقاشات الفلسفية العدمية والوجودية والجدلية، التي لا طائل منها ولا مُنفذ لها.

عشر مباهج في الحياة (١)

١- ملمس الفخار بين أناملي وهو في طور التشكل. لا يهم إن كان المنتج النهائي مطابق لما كان في خيالي، التجربة نفسها تشبه تمارين التأمل الصعبة والتي لم أتمكن من إتقانها بعد.

٢- مقام الحسين ع. في القاهرة، والألفة بين الحوانيت الضيقة ، والضحك على افتراضات الباعة عن هويتي.

٣- رائحة اليود عند البحر، صوت الموج ، ودغدغة الرمال لقدمي على الشاطىء، ومشهد مراكب الصيد في الموانىء.

٤- لسعة الشمس لأنفي والدفء المصاحب للأشعة الذهبية المحببة.

٥- كتب السير والتراجم والمذكرات التي تلمس شغاف قلبي، وتشعرني أنني لست وحدي في هذا الاختبار الطويل المسمى بالحياة.

٦- الهواء العليل على كوبري قصر النيل، وضحكات المشاة ونكاتهم في الطريق لدار الأوبرا.

٧- مذاق اللبن والجبن على الرغم من التهديد بمخاطر اللاكتوز والوعيد بمصير قوم فرعون.

٨- الطعم المر للقهوة والكاپوتشينو دون سكر.

٩- طلاء الأظافر، والفرحة التي تملئني حين تقع عيني على الألوان الفاقعة.

١٠- حفلات الموسيقى التي تجعل الموسيقى -التي أحبها أو أكرهها- تجربة حية. تعابير وجوه العازفين، التجلي البادي على وجوهم، وانقباض قسمات المطربين على خشبة المسرح. أحببت بعض الموسيقيين الذين لم أكن استسيغ موسيقاهم بسبب حفلة ما.